سنوات الحلم والعمل

فنانو منتصف القرن العشرين

كتابة يوسف ليمود

الفنان والناقد يوسف ليمود يصف بعض الظروف التى احاطت فناني منتصف القرن العشرين، ويلقى نظرة على بعض الأسماء الهامة التى بدأت تلمع فى تلك الفترة.

منذ تأسيس الفنون الجميلة بمصر، في بداية القرن، وتخرّج من سُمّوا "الرعيل الأول"، كان البحث عن الهوية همّا لديهم تجلّى بوضوح في أعمال راغب عياد ومحمود سعيد ‪ومحمود مختار… ازداد هذا الهم الباحث عن لغة فنية تجسّد فكرة الهوية وعدم التلاشي في ثقافة الآخر لدى الأجيال التي تلت هؤلاء الأوائل، حيث ظهرت عدة جماعات فنية، لعل أكثرها التحاماً بالروح الشعبية كانت "جماعة الفن المعاصر" 1946، اعتمدت السوريالية فلسفةً وانطلاقاً، على يد فنانِين كحامد ندا والجزار وماهر رائف وسمير رافع… كذلك تبلور التمرد الثوري، لدي صفوة مثقفي تلك الحقبة، من خلال جماعة "الفن والحرية" التي كانت الرائدة فى اعتماد السوريالية منهجاً، مع اتساع في النظرة الفكرية العامة التي كانت أكثر انفتاحاً على الغرب، غير مشغولة بمسألة الهوية القومية، اعتباراً لفهمهم الفكرَ والفن نتاجاً انسانياً كونياً لا يقلل من درجة انتماء الفنان للجغرافيا التي ولد ونشأ فيها. ثم جاءت ثورة يوليو، 1952، بالحلم الناصري الكبير الذي انتعشت فيه وبه الحياة الثقافية في مصر، متمخضةً عن جيل الستينات المفعم بالارادة والعمل المسئول في كل جوانب الهيكل الثقافي: من سينما ومسرح وأدب وفن تشكيلي، تجلّت مظاهره في منح التفرغ وفعاليات مرسم الأقصر الذي كان يُمنح للفنان المتفرغ فترة من الزمن، متيحاً له الفرصة لمعايشة صعيد مصر، بعاداته ورموزه والغوص في ركام الطبقات التاريخية التي شكّلت تلك العادات والرموز...، فلا ننسى أن اكتشاف حامد ندا الفنَ المصري القديم، أثناء منحته بالأقصر بداية الخمسينات، كانت خطوة كبيرة في عمله ظل يطور فيها طوال عمره. ولم يقتصر الحراك الثقافي على العاصمة فقط، ففي الاسكندرية كوّن ثلاثة من فنانيها الشباب (سعيد العدوي، محمود عبد الله، ومصطفى عبد المعطي) "جماعة التجريبيين"، في منتصف الستينات، وهم بعد طلبة في كلية الفنون الجميلة التي كانت قد تأسست حديثا في مدينتهم.

 

 والحق أن رصد النتاج الفني في مصر منذ الأربعينيات، يبيّن تعددية التوجهات الفنية والفكرية، قياساً على حالة الترهّل العام التي ألَمّت بالنتاج الفني المصري منذ الثمانينيات، لأسباب عديدة، لعل أهمها كانت هزيمة يونيو، التي أرجعت الكيان المصري، بل والعربي عموما، إلى الوراء… ثم صعود المد الإسلامي الذي كان هو نفسه رد فعل على هزيمة يونيو، وامتزاج ذلك المد بسلبيات الانفتاح الاقتصادي في الحقبة الساداتية التي قلبت المجتمع المصري رأساً على عقب، إذ صعدت طبقات جديدة إلى قمة السلم الاجتماعي مادياً، بينما هي لا تملك من الثقافة والذوق ما يؤهلها لوضعيتها الجديدة، كذلك انقسام المثقفين بين مؤيد ومعارض لمعاهدة السلام مع اسرائيل، واستبعاد الكثير من المثقفين المعارضين ، وقفز الكثير من المتسلقين عديمى الموهبة إلى أماكن تحكموا بها في أصحاب المواهب، فهاجر من هاجر، وانزوى من انزوى، وهبط بفنه من هبط، يخاطب الذوق الكسيح للبرجوازيين الجدد… فخمدت الجذوة التي تلقفها جيل الستينيات مشتعلةً ممن سبقوهم، ليسلّموها إلى جيل الثمانينات وقد استحالت رقعةً تداخل فيها العبث والانتهازية مع اجترار الذات والصراخ والأحلام المهيضة، ناهيك عن واحدية السلطة الثقافية المتمثلة في الأنشطة الباهتة للمؤسسة الرسمية.

 

لا نحتاج إلى التدليل على جدية الحراك الفني في تلك الحقبة ومجاراتها أهم الاتجاهات الفنية العالمية وقتذاك، وإنْ اصطبغت، في الغالب، بصبغة مصرية كأحد مظاهر فكرة البحث عن الهوية التي عبّرت عن نفسها على يد فنانين مختلفي التوجهات والأمزجة، مِنْ بحث في الشعبي (عفت ناجي، سعد الخادم، سعد...)، إلى الغوص في الأسطورة ودهاليز التراث الفرعوني (حامد ندا، عبد الهادي الجزار...)، إلى اللجوء إلى الحروفية والتراث العربي عموماً (أبو خليل لطفي، صلاح طاهر...)، إلى تناول موضوعات سياسية (راتب صديق، جمال السجيني...)، وأخرى اجتماعية (جاذبية سري، محمد مصطفى...)، إلى التعبير الشخصي عن الذات ودواخلها، الذي نجده مفروشا، ضمناً، أو صراحةً، هنا وهناك، في أعمال كثير ممن ذكرنا ومن لم نذكر. هذه التعددية في التوجهات والممارسات التجريبية إنما يؤكد على الروح الصاعدة المتعطشة لإيجاد مربع لها في شطرنج العالم، على كل المستويات وليس على المستوى الفني فقط

.

 

رغم ذلك الحراك المشحون، في تلك الحقبة، كانت ثمة ثقوب عديدة في جيوب الحركة التشكيلية المصرية يمكن تلخيصها في التالي:

الانشغال المَرضي بفكرة الهوية، الأمر الذي حصر التفكير الفني في أفق محلي ضيق يستجدي التراث والرمز والشعبي والزخارف... الخ مما يحيل إلى معاني "المصرية". لا شك أنه كان ضرورياً أن يحفر الفنان في الطبقات والتراكمات التي يتشكل منها واقعه من أجل الخروج بعمل فني أصيل، لكن أن يكون منطلق هذا الحفر والاشتغال على التراث وتراكماته هو فقط محاولة استخراج بطاقة هوية لا تهم أحداً سوى حاملها فذاك هو العيب والمرض الكامن المهدد بالتعصب وضيق الأفق. كذلك فإن اعتماد الاتجاهات والمدارس الفنية الغربية منهجاً، دون محاولة تطويرها فكرياً، وضعت الفن المصري في خانة المستقبِل السلبي. كما كانت فكرة تجسيد الهوية القومية باستخدام أدوات فكرية وتقنية غربية تمثّل تناقضا يحق لنا اليوم أن نتسائل عن مدى الوعي به في حينها.

 

نمر هنا سريعا، حسبما تتيح المساحة المتاحة، على بعض فناني تلك الحقبة، على اختلاف توجهاتهم وحساسياتهم الفنية:

 

 

عفت ناجي

 

وجدت ناجي في التبسيط الشكلي الذي وصل أقصى حدود اختزاله، حقلاً مسطحاً يحتوي كل أشكال ورموز وإشارات وأشياء الفنانة التي تقول بها العالم وتتحكم في طاقاتها والعلاقات الشكلية والرمزية والتعبيرية الناشئة عن ترتيبها ومجاورتها معاً على سطحٍ، مستنبتةً الطاقة الكامنة وبثّها بهدوء في أوصال العمل الذي كانت ناجي، مع منير كنعان، من أوائل المحطمين لشكله، سواء كان مستطيلاً أو مربعاً، فقد أتت أشكالها البارزة على إطار المساحة التي تعمل الفنانة عليها، فتخلت اللوحة عن كيانها كلوحة، لتدخل إلى أجواء العمل المركّب، ماحيةً بذلك الهوة بين الأجناس الفنية.

 

 

منير كنعان

 

دفع هذا الفنان التجريدي عربته الفنية في دهاليز الشكل الخالص غير عابئ بوجود بضاعة تشخيصية أو أشياء فوقها من ما يلحّ في طلبها المتفرجون. الطريق نفسه، والوصول إلى اللاشكل، كانا هدفه. و"طمس" الشكل كانت طريقته، حسب تعبير الناقدة الفرنسية كريستين روسيون في رسالتها الماجستير في السوربون عن الفنان.

 

 

 

مارجريت نخلة

 

يحضر التراث الروحي المسيحي في المناظر الواقعية لهذه الفنانة السكندرية التي تنحدر من أصل لبناني ليس كبعد ثقافي أملته عليها نشأتها المتدينة، بل كزاد روحي فائض يجعل من رسم التفاصيل فرصة للتأمل أو فعلا دينيا بالأحرى. هذا الاهتمام، بل هذه المعرفة العميقة بتفاصيل الواقع الشعبي المكتظ بالبشر سواء في السوق أو في الحمام أو في البورصة أو في الكنيسة، وهذا الحس الروحي النابض، جعلوا من لوحات هذه الفنانة أشبه ما تكون بالأيقونات الدينية، إلى جانب أيقوناتها التي رسمت فيها قصصا من الإنجيل وجدارياتها للكنيسة، في مصر والخارج.

 

 

حسين بيكار

 

أخذ بيكار مساحته المحترمة كرسام صحفي ومصور لقصص الأطفال، إلى جانب كونه أكاديمي عتيد وأحد أهم من رسموا البورتريه في مصر، وذلك على امتداد عمر طويل يكاد يغطي القرن العشرين تقريبا. هذا غير كونه عازفا على العود والقيثارة وكاتبا للزجل الذي كان يصاحبه، في الجرائد أسبوعيا، بواحدة من رسوماته التأملية الصادرة عن كيان ذي عمق روحي أصيل. حقا يقال إنه ارتقى بالرسم الصحفي إلى مستوى الأعمال الفنية، غير أن أعماله التي قصد لها أن تكون تعبيرية أو خالصة لوجه الفن لم تسلم من تأثير عمله الصحفي، بشكل يجعل من غير المجدي أن ننظر إليها كما قُصد لها. غير أن الظاهرة البيكارية بإنجازاتها المتعددة، بخطوطها المتفردة وعزفها التبسيطي للأشكال، المتخلصة من شوائب واقع ثقيل، هي ما يمكن أن يجعلنا نقول إن العمل الفني الحقيقي الذي أنجزه هذا الفنان كان حياته نفسها.

 

 

حامد عويس

 

       كان لا بد للحركة الفنية المصرية أن تنتج فناناً من طينة حامد عويس، شخصاً وتوجهاً فنياً. ما يعنينا هنا هو الأخير: واقعيته الاشتراكية، كاتجاه وفكر ومزاج وحاجة انسانية، كانت لازمة لإكمال دائرة الحركة الفنية، التي هي تعبير عن دائرة المجتمع. المزاج الفني لشخصية كحامد عويس مزاج مسئول، يتبنى قضايا الشعب، من طبقة عاملة إلى جنود إلى تلاميذ... إلى آخره من موضوعات اجتماعية وانسانية وقومية تشمل احتفاليات النصر والدفاع عن القضية الفلسطينية وتصوير الامبريالية الكبرى المتسلطة على العالم في صورة وحش معدني... فهو بذلك الحس إنما يعكس صدقه الانساني المتعاطف مع الأدنى والمحروم والمظلوم في سبيل الحلم بمجتمع اشتراكي يتساوى فيه الجميع في الحق وفي العيش الكريم.



 

 

حامد ندا

 

بعد اكتشافه، وجد ندا في التصوير المصري القديم ضالته الفنية. المفارقة هي أنه بثّ في استلهاماته لذلك التراث الاستاتيكي الرتيب، الذي يتناول غالبا عالم الموت وما بعده، بثّ فيه ديناميكية وصخباً أقرب إلي روح الرقص والموسيقي، هو الذي كان قد بدأ مسيرته الفنية ستاتيكياً قريباً من حالة التحنيط، فبدأ مخزونه الواعي وغير الواعي، من طقوسية الواقع وغيبوبته في ممارسات طوطمية وبدائية، يصب أشكالاً وأجساداً تتماس مع، وتذكر برسوم الكهوف، بتحويرات في شكل الجسم الآدمي تذهب بالتعبير إلي أغوار تبتعد عن السريالية كمفهوم بقدر ما تقترب منها كحقيقة ووجود وشعر، فالعازف يصبح هو الآلة الموسيقية ويصبح الموسيقي نفسها، والمرأة هي الإلهة حتحور وهي الغانية وهي الجوهر الذي تتناثر منه وحوله كل تلك الأشلاء الدائخة في نشوة الرقص والحركة.

 

 

عبد الهادي الجزار

 

مسكونا بهاجس الموت، كان لتفاصيل عالمٍ غارق في الشعوذة والأساطير والجهل والمرض سحر خاص على التوجه الفني لهذا الفنان الشاب الذي جعلت منه موهبته وحساسيته ورؤيته الشفافة لذلك الواقع من حوله أحد كبار فناني مصر حتى منتصف الستينيات، وقت مات وهو في تمام الواحد والأربعين من عمره. لوحاته السابحة في جو سريالي خاص هي انعكاس مباشر وأمين للحالة التي كانت عليها الطبقات الشعبية التي استلهمها، قبل أن يتحول توجهه الفني مطلع الستينيات إلى معالجة الأحلام القومية المتأججة وقتها، والتي أنقذه الموت من معايشة انهيارها، حيث مات قبل هزيمة يونيه بعام واحد.

 

 

حسن سليمان

 

تجلى حسن سليمان في خمسينات وستينات المنظر الفني في القاهرة كما يتجلى مصدر الضوء الجانبي الهادئ الواثق الذي يرمي بكتل ظلال ثقيلة الوزن على تضاريس مسطحاته الوهمية. أعماله في تلك المرحلة، قياسا على الواقع التشكيلي المصري بشكل خاص والعربي بشكل عام، وقياسا كذلك على ذلك الوقت من تاريخنا، بشحنته الساذجة من الأمل والتحدي، تعتبر حفرا جماليا صادقا في خامته كفنان بقدر ماهي مرآة لموقفه الوجودي ونظرته للعالم كإنسان. غير أن انغلاق سليمان على قيم تستمد جماليتها أساسا من البراعة التقنية الأكاديمية، أوقعته فيما بعد ولسنوات طويلة في الظل الكثيف لأشكاله المتكررة، كما في اليأس من واقع، تحولت قيمه إلى درجة لم يعد يعرفه أو يتعرف عليه.

 

 

انجي افلاطون

 

ضربت انجي افلاطون بفنها وتفاصيل حياتها المَثلَ الحي على الرسالة الأخلاقية التي يحملها الفنان على عاتقه. إنها روح الفنان التي لا نضبطها في لحظة إلا مفعمة بالحياة، نافخةً الحياة فيما وفيمن حولها، بحس البساطة والحب والتفاعل والعمل الجاد، حتى لو كان دخول السجن هو الثمن. إلى جانب منجزها التشكيلي، نستطيع، بمقاييس وقتنا هذا وحساباته الفنية، أن نقول إن حياتها نفسها، بكل تفاصيلها، كانت عملها الفني. غطى عمل افلاطون التضاريسَ الزمنية في مصر بدءاً من الأربعينات، زمن العمل مع "الفن والحرية"، وحتى نهاية الثمانينات حيث غادرتنا روح الفارس التي كانتها، ملأت فيها المنظر الفني المصري بأعمال انبثقت من عمق الشعب وهمومه وعاداته وصفاته، من العمال إلى الفلاحين إلى النساء في الريف الفسيح... لوحات كأنها مرسومة بالروح تتنفس هواء خفيفاً وتغذي العين بوجبات شهية من الألوان والتنقيطات والمساحات النابضة بالحياة والحب تتنقل على سطوحها العين فتلتقي روحَ هذه الفنانة، الرقيقة والماردة معاً.

 

 

 

جاذبية سري


بصمت جاذبية سري حضورها في المنظر الفني المصري منذ الخمسينات وعلى امتداد أكثر من نصف قرن بعدها، كواحدة من فناني الواقعية الممسوحة بحس اشتراكي وجد مادته في موضوعات لا يلمس طرفها فنان إلا وتنفتح أمامه مصاريع التعبير من خلال كل ما تقع عليه عينه خارج الشارع وداخل البيت فتجري ريشته على القماش كما دبابة تمشي على أجساد ووجوه وتكسّرات ألوان وخطوط تعبّر وتعبّر وتعبّر إلى ما لا نهاية. كانت رحلة جاذبية سري تخففية في مسارها: تخففت من الزخارف التي زركشت بها تفاصيل ملابس الشخوص زمناً، ثم تخففت من زحام الشخوص في لوحاتها، ثم تخففت أخيرا من الشخوص أنفسهم وكأنها تعبت منهم في رحلة طويلة كقطار مزدحم رسمت كل من فيه حتى وصلت إلى التجريد المحفور في عمقه منظراً لا يزال يذكّر بمناظرها الأولى: الأسْرة، الأم، العامل، الفلاحة، الطفولة... إلى آخره.


 

صبحي جرجس

 

التبسيط الشكلي الذي تنبني عليها منحوتات صبحي جرجس هو أساس جماليتها، وإن كان يصعب تصنيفها أو إرجاعها إلى اتجاه بعينه كالتقليلية مثلا. ورغم أن كل أعماله تتبنى الهيكل الآدمي وترده، رمزيا، إلى أشكال أولية أقرب إلى البدائية، تجد الطاقة التعبيرية طريقها في الخروج عبر كيفية ترتيبِه التشكيلي والرؤيوي لهذه الأشكال، وليس عبر الصراخ التعبيري الذي يقع فيه كثير من الفنانين الذين يتعاملون مع المفردة الآدمية كأساس ومنطلق.

بساطة تراكيب تختصر حياة لتقول حياة. تختصر أزمنة غارت بأظافرها في جلد المكان لتحفر في حيز العمل زمناً جمالياً منفصلاً عن، ومتصلاً، في الوقت ذاته، بالتربة التي منها انبسقت. أعمال صبحي جرجس تستدعي ظلالاً لأيقونات الفن القبطي بمصريتها المحفورة عميقاً في روح هذه الجغرافيا، وفي هذا نجاح الفنان حين يقدر أن يبلور الأزمنة التي أتت بكيانه إلى هذه الأرض ويختصرها في طية معدن.

 

 

سعيد العدوي

 

رغم أن العدوي راح في الموت المبكر، إلا أنه ترك منجزاً خصباً ثرياً برّر به عبوره البارق في هذه الدنيا ومضى. في منسوجة سعيد العدوي الفنية تنتثر رؤيا كالقيامة، حيث الموجودات والعناصر قد تحولت وتحوّرت إلى أشكال سحرية ورذاذِ أشكالٍ منثور على حقول المساحات وكأنها جيوش نمل أسطوري في متاهات من مقابر وأضرحة، وحيوانات تضخمّت ومسوخ وظلال بشر في مراكب الوجود العابرة بهم إلى المجهول عبر صحارى وبحارٍ وليلٍ ونهارٍ خارجَ أي مكان وأي زمن. عالم هو المجهول نفسه، مثلما هو المكان والزمن.

 

 

عبد البديع عبد الحي

 

مثّال ومثال حي على قوة الغريزة الفنية التي لا تطمسها أو تمسحها تفاصيل الواقع الجارفة، فتجد اليد الموهوبة الذي كانها هذا الفنان الفطري، مَن يحتضنها ويغذيها فتثمر في النهاية نبضاً شعبياً خالصاً. إنها غريزة اليد حين تريد أن تريد أن تنهال على الحجر لتحوّل خرسه وصنميته إلى كائن حي ينبض، كما الناس والحيوانات والطيور من حوله، بحس واقعي بليغ مدهشةٌ حلوله واختزالاته الشكلية، ليبقى النبض الحي في قلب حجر.

 

 

محمد طه حسين

 

يتنقل هذا الفنان بين الوسائط والخامات وأنواع الفنون، من حفر إلى رسم إلى خزف إلى تصوير... في تجارب أتت، بذكاء ورؤيوية، على كل ما يمكن أن يثري تجربتها، فسكنت فيها بعد رحلة طويلة روحُ التراث وأصداء الحروف في معادلة بصرية هضمت ما جاء من الغرب ولوّنته بروحها الشرقية وحسّها الصوفي، في مساحات يدوخ فيها البصر.

 


مواضيع:

الفن الحديث

يوسف ليمود

يوسف ليمود

فنان وكاتب. فاز بالجائزة الكبرى من بينالى دكار عام 2016. يكتب مقالات متخصصة في الفن تنشر في الدوريات والصحف العربية. نشرله مؤخراً بحثه عن الفن المصرى فى الستينات والسبعينات، وكذلك عن الفنان رمسيس يونان. يقضي وقته بين بازل بسويسرا والقاهرة.