إلبس اللي يعجب الناس
أقمشة المماليك
كتابة ماريا ساردي
من الأقطان بالغة الرقة إلى الكتان الفاخر والبروكار الثقيل، تربعت الأقمشة المملوكية على عرش المنسوجات في جميع أنحاء المنطقة.
في عمله في مدح مصر، يتحدث الكاتب أبو حامد القدسي (المتوفى عام 1483) بحماسة عن تفرد الثياب المملوكية وجمالها وبذخها الذي لم يُر مثله في البلاد. وعلى النسق ذاته، خصص معظم المؤرخين والزوار الأجانب آنذاك العديد من المقاطع في مؤلفاتهم لوصف ملابس المماليك المذهلة التي لم تكن حكرًا على الطبقة الملكية، بل ارتداها أفراد الطبقتين العليا والمتوسطة أيضًا. اعتاد أفراد الطبقة العليا متابعة جميع صيحات الموضة التي ابتكرها أفراد البلاط المملوكي. على سبيل المثال، كانت النساء المملوكيات من عامة الشعب يهرعن لتقليد الأزياء الباذخة لحريم السلطان الناصر محمد فور رؤيتها. كما كان الرجال أيضًا على أهبة الاستعداد الدائم لاتباع موضة البلاط - ومن الأمثلة النمطية على ذلك شرائط الأكمام الواسعة الشهيرة المعروفة بالطراز والتي كانت تركب على ملابس الرجال، وعرفت بالطراز اليلبغاوي- على اسم الأمير يلبغا، الذي كان من ذوي الحظوة لدى السلطان الناصر محمد، الذي اعتاد أن ينعم عليه بالعطايا السخية التي كانت عادة ما تتخذ شكل الثياب.
لم يكن الترف في الموضة المملوكية ظاهرة فردية. نقرأ في كثير من الأحيان عن المبالغة في طول السترات والأكمام المنسدلة التي ارتدتها نساء المماليك أو الضخامة غير الطبيعية للعمائم الرجالية؛ ما أدى إلى إصدار مراسيم سلطانية لوضع حد لهذه المبالغات. كما سجلت قواعد لتنظيم ارتداء الألوان، كانت في الأغلب تشير إلى أغطية الرأس المصرح للمسيحيين أو اليهود بارتدائها، أو إلى ألوان ملابس النساء الخارجية، لكن بقية ملابس هؤلاء الأشخاص ذاتهم كانت باهظة الثمن وفاخرة مثلها مثل ملابس المواطنين المملوكيين الآخرين.
أولت نساء ذلك العصر أهمية كبيرة لجمالهن، ليس فقط فيما يتعلق بتجميل الوجه والشعر والجسم، ولكن تبدى ذلك أيضًا في اختياراتهن من الملابس الراقية والمجوهرات المنمقة. في أوقات الرخاء الاقتصادي، كانت نساء المماليك يرتدين سترات حريرية منمقة بأكمام قد تصل إلى الأرض عند فردها. كان يمكن لتكلفة هذه السترات أن تصل إلى ألف درهم للسترة الواحدة. واحتوت قوائم جهاز العرائس على ذخيرة واسعة من المفردات لوصف قطع الملابس المتنوعة ذات الزخارف الراقية والألوان النابضة بالحياة والتي تنطق بثراء خزانة الملابس المملوكية. فيما يتعلق بالإكسسوارات، كانت أغطية الرأس الملونة والمناديل الحريرية المنسوجة بدقة والأكياس القماشية الراقية وأربطة الثياب أو التِكَّة الحريرية والأحذية الجلدية المدبوغة والصنادل والقباقيب الخشبية جميعها تضيف لمسات من الفخامة على الملابس المملوكية. ولكن في أوقات الوباء، كانت نساء المماليك أول من ينتقدن نظرًا لترددهن على الأسواق ليلا ونهارا لإشباع نهمهن للزينة على الرغم من البلاء المحيط.
ما تبقي لنا من منسوجات العصر المملوكي هو غيض من فيض ما أنتجه في الأصل النساجون في عصر المماليك، ولكن بفضل الحفريات العلمية وغير العلمية في المواقع المصرية والسورية واللبنانية، أصبح بإمكاننا إلقاء الضوء على العادات المرتبطة بالملابس في العصر المملوكي، مما يمكننا من إضافة المزيد من المعلومات لتلك الموجودة في المصادر المكتوبة. من بين مئات الأجزاء المتبقية من المنسوجات المملوكية، توجد أكثر من 30 قطعة ملابس كاملة محفوظة في مواقع التنقيب ومخازن المتاحف، بالإضافة إلى العشرات من قطع الإكسسوارات المنسوجة، بما يتيح لنا رسم صورة للحياة اليومية في المجتمع المملوكي. تشمل الأقمشة الوارد ذكرها الكتان والقطن والصوف والحرير، ولكل منها استخدام مختلف. كما كان الحال في العصور السابقة، كانت جودة الأقمشة مؤشرًا على الوضع المالي لمرتديها. وفي كثير من الحالات، دمجت خامتان أو أكثر، إما لأسباب عملية أو للحصول على تأثير زخرفي معين.
الكتان
معظم الثياب المتبقية لنا من عصر المماليك مصنوعة من الكتان، وهو ما يتوافق مع الإشارات الموجودة في روايات مؤرخي ورحالة العصر المملوكي التي تكثر فيها أوصاف أقمشة الكتان الفاخرة التي تشبه الحرير. تشمل أمثلة الكتان المتبقية سترات كاملة أو محفوظة جزئيًا للكبار والأطفال والرضع، بالإضافة إلى قطع الإكسسوارات. جميع سترات الكبار هي قطع طويلة وعريضة ومفصلة بالمقاس من الكتان المنسوج غير المصبوغ، ويتراوح طولها بين 90 و133 سم ويصل عرضها شاملاً الأكمام إلى 126 سم. الأكمام واسعة بشكل ملحوظ وفتحة العنق عبارة عن شق عمودي. تتألف السترة من عدة قطع من القماش المقطوع بشكل مستقيم ومثلث وتربطها ببعضها البعض الغرز التي تُغطى عادة بزخارف مطرزة. عادة ما تزين الثوب زخارف صغيرة متكررة ومرتبة على شرائط على امتداد الكتفين وعلى طول الجزء الأمامي والخلفي من الثوب. من الملحوظ بشكل خاص في معظم هذه الأمثلة، وفي العديد من أجزاء الثياب الأمامية المتبقية، الزخرفة المطرزة المحيطة بفتحة العنق، والتي تتكون إما من أنماط هندسية دقيقة على نمط الدلايات المعلقة والتي تذكرنا بالعقود العريضة التي تنتهي برصائع كبيرة على شكل ألماسات. مع مرور الوقت، وخاصة خلال العصر الشركسي، أصبح مزيج الغرز وتنوع ألوان الأنماط المطرزة أكثر ثراءً بشكل ملحوظ.
في مثالين نادرين، تنتهي زخرفة السترة أسفل الجزء العلوي من الصدر، وتبرز فقط الجزء المحيط بالياقة مع امتدادها بعض الشيء إلى الجزء الخلفي من الكتفين. تتكون الأنماط الظاهرة على هذه الأجزاء من تصميمات متكررة على شكل قلوب وزهور، مما يذكرنا بكل وضوح بالياقات الرباعية المحيطة بفتحة العنق على شكل سحابة، والتي عادة ما نراها في ملابس المناطق المغولية في الصين وآسيا الوسطى. وفي أمثلة أخرى - ربما من أواخر العصر المملوكي – تظهر الياقة العريضة الواقفة إلى جانب فتحات العنق الأكثر تعقيدًا والتي عادة ما كانت تثبت في مكانها بأزرار وعروات حلقية. كانت سترات الأطفال والرضع مماثلة لتلك التي يرتديها الكبار، مع اختلاف الحجم وحسب وصنعها عادة من بقايا قطع أكبر من القماش وليس بالضرورة من نفس القطعة ذاتها. أما بالنسبة لقطع الإكسسوارات، فإن العشرات من أغطية الرأس وقلانس الأطفال والأوشحة والمناديل والأكياس القماشية المزينة في معظمها بنقوش مطرزة ملونة، تجسد الاستخدام الواسع لأقمشة الكتان في خزانة الملابس المملوكية.
القطن
تمثل الأقطان ثاني أكبر مجموعة من الأقمشة المتبقية من عصر المماليك. استخدمت الأقطان في ملابس الكبار والأطفال والرضع على حد سواء، وغالبية الأقطان المتبقية يتميز غزلها ونسيجها بالجودة العالية، والصقل في بعض الأحيان. تُعزى أفضل الأمثلة المحفوظة إلى العصر المملوكي المبكر (حوالي 1283 م.) وعثر عليها عند التنقيب في مغارة عاصي الحدث في شمال لبنان. كانت هذه الأمثلة عبارة عن ثياب عريضة بأكمام ضيقة وفتحة عنق عمودية من الأمام. تتميز الأمثلة المبكرة بأكمام ضيقة نسبيًا، مما يشير إلى الانتقال السلس من السترات ذات الطراز الأيوبي بأكمامها الضيقة إلى الأكمام المملوكية شديدة الاتساع والمسجلة في مصادر مختلفة، والتي يمكن أن نراها في الأمثلة المتبقية أيضًا. على غرار السترات الكتانية المذكورة أعلاه، احتوت السترات القطنية في ذلك العصر أيضًا على أزرار وعروات حلقية لزم الفتحات الأمامية. وكانت ملابس الأطفال مماثلة لتلك التي يرتديها الكبار.
وقد تبقى عدد قليل من الملابس والأردية الخارجية القطنية المصبوغة بالكامل باللون الأزرق، ومعظم الأمثلة المتبقية مزينة بتطريز حريري بأنماط هندسية وزهرية على الجزء العلوي من الصدر والأكمام. كما استخدم القطن في صناعة الملابس الداخلية. يمكننا أن نرى ذلك من خلال السروالين القطنيين الرجاليين الذين عثر عليهما في مدفنين قبطيين من أواخر القرن الثالث عشر. كلاهما فضفاض ومتهدل ويتكون من عدة قطع من القطن غير المصبوغ، وكانت هذه السراويل تثبت على الجسم برباط أو تكة عند الخصر. بالإضافة إلى الملابس، ظهرت أيضًا العديد من الإكسسوارات القطنية، مثل الشاش (شال العمامة) وعصابات الرأس المختلفة المزينة في الغالب بأنماط مطرزة من الزخارف الشبيهة بالطيور والأنماط الهندسية.
كان القطن المستخدم في صناعة المنسوجات المملوكية في معظمه من الإنتاج السوري. واشتهرت بعلبك بالقطن الأجود على الإطلاق، والذي كان معروفًا باستخدامه في الملابس القطنية الفاخرة التي ارتداها السلطان وأفراد حاشيته على حد سواء. كان النساجون المحليون يصنعون بشكل أساسي الأقمشة البيضاء التي امتدت شهرتها إلى ما وراء حدود السلطنة المملوكية وأثارت إعجاب الزوار الأجانب. يروي الرحالة الإيطالي لودوفيكو دي فارتيما الذي زار سوريا في أوائل القرن السادس عشر أن النساء من الأهالي كن يرتدين الحرير ويستخدمن أقطانًا في رقة الحرير كثياب خارجية. كما استوردت كميات كبيرة من الأقطان ذات الزخارف المطبوعة من الهند، وكانت في العادة تستخدم كقطع إكسسوار، أما في السنوات الأقل رخاءً، فقد كانت تستخدم لتفصيل الملابس أيضًا.
الصوف
لم يتبق من العصر المملوكي أكثر من قطعة واحدة كاملة من الملابس الصوفية، على الرغم من علمنا أن الملابس الصوفية كانت شائعة بين المماليك. يمكن تفسير هذه الندرة بأن الألياف الحيوانية تتدهور في درجات الحرارة الشديدة، في حين أن احتمالية تحمل الألياف النباتية وبقائها أكبر. قطعة الملابس الصوفية الوحيدة الباقية هي معطف كان ملكًا لأسقف نوبي يعود تاريخ مدفنه في قصر إبريم إلى العصر المملوكي المبكر. وهو لباس خارجي فخم وسابغ على شكل جرس مع قلنسوة مثبتة به وبطانة قطنية. حول الحاشية وداخل القلنسوة يوجد حرير فيروزي. تتكون زخرفة المعطف من إطار من شرائط الزخرفة النسيجية من الحرير بألوان متعددة على الظهر والأكتاف، كما يزينه أيضًا شريط رفيع من الحرير والصوف الأرجواني وشرائط أصغر مليئة بأنماط الأزهار المنمقة والمطرزة بخيوط الحرير الذهبية.
نظرًا لندرة الملابس الصوفية المتبقية، لا يمكن التوصل إلى استنتاجات أكيدة حول ماهية شكلها وزخرفتها. ومع ذلك، تخبرنا المصادر المملوكية أن الأصواف كان يرتديها العلماء عادة، وخلال الشتاء كان يرتديها جيش المماليك والسلطان نفسه، والذي كان في نهاية الخريف يستبدل لباسه الصيفي الخفيف بملابس صوفية ملونة أثقل لإعلان بداية فصل الشتاء. حتى أن السلطان قايتباي كان يفضل ركوب فرسه في المواكب الرسمية خلال الشتاء مرتديًا ملابس صوفية، كما قدم لقاضي دمشق أردية كاملية عالية الجودة مزينة بفراء السمور. وفيما يخص جودة الأصواف المصرية، كتب المقريزي أنها الوحيدة التي توفر الدفء الكافي، بينما أشار رحالة أوروبي أثناء رحلته إلى الإسكندرية في العصر المملوكي إلى أن الصوف ممتاز، وإن كان خشنًا. استخدم الصوف الأحمر في صناعة القلنسوة الحمراء النمطية التي ارتداها المماليك، والمعروفة باسم الزمط، والتي وصفها وصورها الرحالة الألماني آرنولد فون هارف الذي زار مصر في أواخر القرن الخامس عشر. ولكن في أعقاب الوباء الذي ضرب البلاد في أوائل القرن الخامس عشر، كما يروى المقريزي، تسبب النقص في الحرفيين والركود الاقتصادي في استبدال رجال من أعلى الطبقات الاجتماعية لملابسهم الحريرية بثياب صوفية مستوردة خشنة لم يكن يرتديها حتى ذلك الحين سوى الفقراء والبغال.
الحرير
كان لدى المماليك هوس بالحرير سجلته مصادر عدة. كثيرًا ما نجد في سجلات العصر المملوكي إشارات إلى سترات حريرية طويلة مبطنة ومزينة بفراء السمور وموشاة بتطريز ذهبي ولؤلؤ وأحجار كريمة. وكان السلطان عادةً ما يقدم تلك الثياب كخلعة أو تشريفة. وعادةً ما تضمنت قوائم جهاز العرائس المملوكيات من بنات العائلات الثرية الملابس والمناديل الحريرية، وكثيرًا ما يذكر تردد نساء القاهرة على الحمامات والأسواق مرتديات الملابس الحريرية الفخمة. تمنحنا الملابس والغيارات الداخلية والإكسسوارات الحريرية المملوكية القليلة التي تبقت لنا نظرة ثاقبة على الملبوسات الحريرية الشهيرة في ذلك العصر، على الرغم من أنها بالتأكيد لم تكن القطع الأكثر فخامة في المطلق.
ولكن لم يزل بإمكاننا من خلال هذه الأمثلة استنتاج بعض النقاط المثيرة للاهتمام المتعلقة بنمط الملابس الحريرية المملوكية التي ارتداها الكبار. كانت الأزياء اليومية عبارة عن ثياب طويلة وخفيفة من الدمقس أو من الحرير الثقيل، مبطنة في الغالب بالكتان أو القطن ومزينة بأنماط حيوانية أو نباتية متكررة داخل حليات دائرية أو أقواس قوطية مدببة ومخروطية الشكل. وكان للملابس عادة أكمام مستقيمة وفتحات عنق مستديرة. وكانت مقدمتها مفتوحة بالكامل وصولًا لأسفل، بحيث تزم فقط من عند الصدر بواسطة عروات حلقية مضفرة وأزرار حريرية، مما يدل على استخدامها كملابس خارجية. ويوفر كل من نمط وقَصة رداء حريري متبقي كان لطفل مملوكي في يوم من الأيام دليلًا على أن ملابس الأطفال الحريرية كانت مطابقة لملابس والديهم.
كما استُخدم الحرير في صناعة الدروع والبريجاندينات المملوكية المتقنة والمبطنة بالصفائح، والتي كانت على الأرجح تستخدم في المواكب. كانت الدروع تلبس إما بدون أكمام أو مع إضافة أكمام منفصلة، وكانت تتألف من عدة طبقات من القماش، تتكون الطبقة الخارجية منها من الحرير المقلم. يظهر البريجاندين الكامل للسلطان جقمق (حكم 1438-1453 م.)، والمحفوظ في متحف بارجيللو بفلورنسا، كيف كانت البريجاندينات المملوكية هي الأخرى ثيابًا متقنة ومتعددة الطبقات؛ كانت الطبقة العلوية منها تصنع من الحرير المزين بأزرار من النحاس الأصفر تشكل شرائط طراز تحتوي على اسم ولقب السلطان بالإضافة إلى آيات قرآنية. كانت البريجاندينات المملوكية قريبة من الجاكيت الحديثة من حيث الشكل، بأكمامها الطويلة وياقتها الواقفة. وكانت تزم من الأمام باستخدام أزرار وعراوي حلقية أنيقة.
وهناك بضعة أزواج من الملابس الداخلية الحريرية التي ارتداها الكبار تشير إلى أحد الاستخدامات الإضافية للحرير المملوكي الفاخر. كان المكافئ للبنطلون آنذاك هو السروال وفقًا لما تورده المصادر، وكان يتسم باتساع الخصر والأرجل من الأعلى بينما كان يضيق بشكل متسق بدءًا مما بين الفخذين إلى الأسفل. كانت السراويل تتألف من عدة قطع مخيطة بعناية وعادة ما كانت تصنع من قماش مقلم وتثبت على الجسم باستخدام تكة (رباط الخصر). وهناك عدد قليل من ملابس الرضع الداخلية المتبقية تشمل أيضا سراويل تتماثل في خياطتها وتعدد ألوانها وحريرها المقلم مع صديريات حريرية بنفس النمط الزخرفي. كانت هذه الصديريات تبطن عادة بقماش قطني منسوج غير مصبوغ، وكان كل من خط العنق والفتحات الأمامية يغطى بلون واحد من الحرير، غالبًا الأزرق. وتشهد الأزرار والعراوي الحلقية التي تزم الفتحة الأمامية وكذا الجيوب الزخرفية الصغيرة على الحرفية المتطورة للعصر المملوكي.
بالنظر إلى هوس المماليك بالحرير، لا ينبغي أن نندهش عندما نعرف أن العديد من قطع الإكسسوار، مثل أغطية الرأس والأكياس القماشية والصنادل، كانت هي الأخرى إما مصنوعة أو مزينة بالحرير. فيما يتعلق بأغطية الرأس، تبقى عدد قليل من شالات الشاش الحريري الفاخر والتي تحمل زخارف من الأشرطة المتشابكة المليئة بالحيوانات الراكضة أو المتصارعة ونقوش بالحروف العربية تدعو بالعز والمجد. أما العشرات من العراقات الحريرية التي تبقت من تلك الحقبة - المصنوعة للكبار والأطفال على حدٍ سواء – فتدل على تنوع كبير من حيث الصنعة والزخرفة. أكثر الأمثلة تنميقًا مصنوعة من أقمشة تفتا غنية تحمل زخرفة منقوشة بلقب السلطان وأفاريز من الحيوانات الراكضة والأَهِلَّة. عادة ما تكون مبطنة بالكتان ولها زر بعروة حلقية في الأعلى. وبعض الأمثلة الأخرى، معظمها من المقابر القبطية، مصنوعة من الحرير الأزرق والمزين بأنماط هندسية مبطنة. وعلى غرار أمثلة التفتا المنمقة الموصوفة أعلاه، تكونت هذه العراقات أيضًا من عصابة رأس وتاج يتكون من مثلثات متكررة. العديد من عراقات الأطفال والرضع وقلانسهم مصنوعة من قطع مختلفة من أقمشة الحرير المنقوش، وليس بالضرورة من نفس النوع. كما أنها مبطنة بالكتان ومزينة بقطع من الحرير وفتحات زخرفية بألوان متباينة مطرزة بغرز السرفلة وشُرَّابات حريرية. كما ظهرت الأكياس الحريرية متعددة الألوان المبطنة بالكتان والمزينة بطرق مماثلة، إلى جانب الأجربة الحريرية الصغيرة المستخدمة لنقل قوارير الزجاج الصغيرة وحمايتها من الكسر. أخيرًا وليس آخرًا، يكشف صندل متبقِ كان ملكًا لفتاة مملوكية صغيرة عن مدى تنوع استخدام الحرير في عهد المماليك. حجم الصندل صغير، وعلى الأرجح ارتدته طفلة مملوكية صغيرة، ويتكون من نعل جلدي وسير عريض من الحرير يربط بالقدم. السير مصنوع من الحرير الأزرق الغامق وعليه زخارف بأشكال زهور الزنبق وأهلة منقوش عليها اسم السلطان.
“استقبال سفراء البندقية في دمشق”، 1540 تقريبًا. - الفنان مجهول، 1500. في هذه اللوحة، نرى تنوع الأزياء المملوكية التي يرتديها الوجهاء من حيث الألوان والخامات. عادةً ما تعتبر هذه اللوحة مرجعًا بصريًا موثوقًا، حيث تتوافق الأزياء فيها مع سجلات المؤرخين العربية، كما أن العمارة والرنوك السلطانية مصورة فيها بدقة. وفيها نرى حاكم دمشق المملوكي - على الأرجح في عهد قانصوه الغوري - يرتدي ناعورة، وهي عمامة كبيرة على شكل الناعورة أو الساقية.
© متحف اللوفر
“امرأتان واقفتان، إحداهما محجبة، ترتديان الزي المملوكي”. حبر على ورق، فيتوري كارباتشيو، رُسمت تقريبًا 1501-1508.
© أمناء جامعة برنستون. إهداء من فرانك جيويت ماثر جونيور
عراقة، حرير مبطن، مصر أو سوريا، القرن الرابع عشر تقريبًا. تعود بنا عادة ارتداء العراقات دون عمائم ملفوفة إلى الحقبة الأيوبية، حيث كان غطاء الرأس الرسمي في ذلك الوقت هو الكَلْوَتَة أو الكلفتاة. كان اللون النمطي للكلوتة آنذاك هو الأصفر، وتغير لاحقًا ليصبح الأحمر خلال أوائل عصر المماليك البحرية في عهد السلطان الأشرف خليل (حكم 1290 -1293). كما دارت الكلوتة رؤوس المماليك الحليقة حيث شاعت بينهم عادة حلاقة شعر الرأس بأكمله بعد عودة الناصر محمد من تأدية فريضة الحج عام 1332 حليق الرأس متحللًا من إحرامه. قبل ذلك كان المماليك يتركون شعورهم ترسل طويلة "بإرخاء ذوائب الشعر". فيما بعد، أصبحت العراقات المملوكية جزءًا أساسيًا من العمائم التي كان يرتديها سلاطين المماليك وأمرائهم.
© متحف كليفلاند للفنون / صندوق جون ل. سيفرانس
طقم يتكون من سروال وصديري مطابق لطفل رضيع. حرير ، من مقبرة بدير العظام بالقرب من أسيوط، . 1100-1300 ميلاديًا تقريبًا – صعيد مصر. معظم الملابس الكاملة الباقية الموجودة في المتاحف اليوم مملوكة للأطفال. كانت الملابس التي يرتديها الأطفال مماثلة لتلك التي يرتديها الكبار، ولكنها أصغر حجمًا ولا تُصنع دائمًا من نفس الأقمشة الفاخرة. في الواقع، ما لم يكونوا أثرياء جدًا، ربما استخدم معظم الناس قطعًا من المنسوجات المعاد تدويرها من ملابس البالغين الأكبر سنًا أو الممزقة لصنع ملابس للرضع والأطفال.
© متحف فيكتوريا وآلبرت
رداء طفل. كتان، 1250-1300 تقريبًا. رداء الطفل هذا مفصل بشكل أساسي من الكتان السادة المنسوج. له فتحة مركزية من الأمام. الجزءان الخلفي والأمامي يتكونان من مستطيلين مفردين. الأجزاء الجانبية مثلثة الشكل مما يعطي شكلًا منفوشًا، كما أن تبطينها من الأعلى يؤدي إلى ظهور الكشكشة.
© جامعة ليدز
"لباس المسيحيين والوثنيين واليهود". من كتاب وصف رحلات أرنولد فون هارف في 1496-1499"، نُشر في 1554. من المعروف أن لباس المسلمين لم يختلف عما ارتداه غير المسلمين (الذميون). كان الاختلاف الوحيد عادةً ما يتمثل في لون العمامة (وأحيانًا أيضًا لون الإزار للنساء). تكرر إصدار المراسيم الناصة على وجوب الاختلاف في لون العمائم، وكان ذلك عادة ما يحدث في أعقاب حوادث معينة. تعود إحدى أقدم الإشارات إلى حادثة مماثلة نتج عنها حكمًا تمييزيًا ضد الذميين إلى عهد السلطان المنصور قلاوون (حكم 1270-1290)، عندما تحدث مع رجل يرتدي عمامة بيضاء ظنًا منه أنه مسلم. بعد أن أدرك السلطان أنه أخطأ في التعرف على الشخص الذي كان يتحدث إليه، أصدر مرسومًا يوجب ارتداء عمائم صفراء على اليهود و زرقاء على المسيحيين (سوداء خلال فترات أخرى). في وقت لاحق، في الحقبة العثمانية، يذكر الفقيه المصري ابن نجيم الذي عاش في القرن السادس عشر مراسيم مماثلة . صعبت هذه القيود الحياة على الأقباط المسيحيين واليهود في مصر. استمر المؤرخون على مر السنين (والقرون) في الإشارة مرارًا وتكرارًا إلى إصدار مراسيم جديدة لنفس الغرض. ربما يعني ذلك أنه في الفترات الفاصلة بين كل مرسوم وآخر، لم يكن التطبيق صارمًا، ولم تكن القواعد تتبع دائمًا.
© مكتبات بودليان ، جامعة أكسفورد
ماريا ساردي
حاصلة على بكالوريوس في علم الآثار، وماجستير في تاريخ الفن الإسلامي وعلم الآثار، ودكتوراه عن أطروحتها SOAS من "المنسوجات المملوكية وسياقها"، عن مقتنيات متحف بيناكي للفن الإسلامي، حيث عملت كعضو في فريق تنظيم المعارض. تركز أبحاثها على الفنون التطبيقية للمماليك، وقامت بتدريس SOAS الفن الإسلامي في ومدرسة الفنون الجميلة بأثينا.